قد يظن البعض أن الصدمة النفسية تنتهي بمجرد مرور الموقف المؤلم، لكن الحقيقة أن بعض الأشخاص يواصلون الشعور بالخوف والتوتر حتى بعد زوال الخطر. وفي هذه الحالة قد يكون السبب هو اضطراب ما بعد الصدمة، وهو اضطراب نفسي يجعل الدماغ يتعامل مع الحياة وكأن التهديد ما زال موجودًا.
يحدث اضطراب ما بعد الصدمة عندما يبقى الجسم في حالة استنفار مستمرة بعد التعرض لتجربة قاسية أو مخيفة. فبدلًا من أن يعود الإحساس بالأمان تدريجيًا، يظل الدماغ في وضع المراقبة والدفاع، وكأنه ينتظر حدوث الخطر مرة أخرى.
وعندما يحدث ذلك، قد يشعر الشخص بالقلق الدائم، وصعوبة الاسترخاء، وسرعة الفزع من الأصوات أو المواقف العادية. وقد تبدو البيئة آمنة من الخارج، لكن الدماغ يفسرها كأنها مليئة بالتهديدات.
ومن أبرز أعراض اضطراب ما بعد الصدمة تكرار الكوابيس، واسترجاع الذكريات المؤلمة بشكل مفاجئ، والشعور وكأن الحدث الصادم يحدث من جديد. كما قد يحاول المصاب تجنب الأماكن أو الأشخاص أو التفاصيل التي تذكره بالتجربة، إلى جانب الإحساس بالذنب أو فقدان الثقة بالنفس أو عدم القدرة على الاستمتاع بالحياة كما كان من قبل.
ولا تظهر الأعراض دائمًا مباشرة بعد الصدمة، فقد تمر أسابيع أو أشهر، وأحيانًا سنوات، قبل أن تبدأ العلامات في الظهور. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ضغط نفسي جديد أو موقف مشابه للتجربة القديمة إلى إعادة تنشيط الخوف وزيادة الأعراض.
وتختلف أسباب الإصابة من شخص لآخر، لكنها غالبًا ترتبط بعدة عوامل، منها التعرض لصدمات سابقة، أو المرور بتجارب قاسية في الطفولة، أو وجود ضغوط نفسية مستمرة، أو ضعف الدعم الأسري والاجتماعي. كما قد تلعب طبيعة استجابة الدماغ والجسم للتوتر دورًا مهمًا في ظهور الاضطراب.
ولا يؤثر اضطراب ما بعد الصدمة على الحالة النفسية فقط، بل قد ينعكس أيضًا على صحة الجسم. فالبقاء في حالة توتر لفترات طويلة قد يزيد من مشكلات النوم، والإرهاق، وآلام الجسم، وقد يؤثر مع الوقت في القلب وضغط الدم ومستوى الطاقة.
ورغم صعوبة الأعراض، فإن اضطراب ما بعد الصدمة قابل للعلاج. ويساعد العلاج النفسي المتخصص، وأحيانًا بعض الأدوية التي يحددها الطبيب، في تقليل حدة الأعراض ومساعدة الشخص على استعادة شعوره بالأمان والعودة إلى حياته اليومية بشكل أفضل.


