تقليل الحديث مع الأصدقاء، وإغلاق حسابات على مواقع التواصل، والتوقف عن الرد على الرسائل؛ سلوكيات يلجأ إليها بعض شباب جيل زد لفترات، من دون أن يكون وراءها خلاف واضح مع من حولهم. وبين الرغبة في استعادة الطاقة وقضاء وقت مع النفس، ومحاولة الهروب من ضغوط ومواقف صعبة، تتعدد الأسباب.
ثلاثة من شباب الجيل شرحوا دوافعهم لهذا الابتعاد، وتحدث استشاري الطب النفسي د. هشام رامي عن أسباب الاختفاء الاجتماعي والفرق بين العزلة الاختيارية والانسحاب هربًا من الضغوط.
الراحة أولًا.. لا الخلافات
تقول فاطمة محمد، 23 سنة، إنها تغلق حساباتها على مواقع التواصل وتقلل حديثها مع الناس عندما تشعر بأنها لم تعد قادرة على التعامل مع أحد، حتى لو لم يكن هناك خلاف بينها وبين صديقاتها. وتوضح أن الأمر لا يتعلق بزعل من شخص بعينه، بل إن كثرة الكلام والرسائل والتفاعل المستمر تجعلها تشعر بأنها مطالبة بأن تكون موجودة طوال الوقت، وهو ما يضغطها نفسيًا.
وتضيف أنها عندما تأخذ مسافة تشعر بأنها قادرة على ترتيب أفكارها وفهم ما تشعر به فعلًا، من دون أن تُضطر إلى شرح سبب ضيقها أو الكلام وهي غير مستعدة. وتذكر أنها كانت تخشى أن يظن أصدقاؤها أنها تتجاهلهم، لكنها مع الوقت صارت توضح لهم أنها تحتاج أوقاتًا تبقى فيها وحدها، وأن ذلك لا يعني أن مكانتهم تغيرت. وتفرق بين اختيار الوحدة للراحة والابتعاد عن الناس عجزًا عن مواجهة المشكلات، مشيرة إلى أنها تحاول أن تجعل المسافة فرصة للعودة إلى نفسها لا وسيلة هروب من كل شيء. وتؤكد أنها تعلمت أن ليس عليها أن تكون متاحة طوال الوقت للحفاظ على علاقاتها، وأن من حقها أن تأخذ مساحة لنفسها بشرط ألا يتحول البعد إلى عزلة تمنعها من التواصل مع من تحب.
أما إبراهيم يوسف، 24 سنة، فيقول إن هناك فترات يشعر فيها بأن كل من حوله لديه توقعات منه، في العمل وفي الحياة الشخصية، وأنه يُفترض أن يكون ناجحًا وسعيدًا ومتفاعلًا طوال الوقت حتى لو لم يكن كذلك من داخله. وفي هذه الأوقات لا يرغب في التحدث مع أحد أو شرح ما يمر به، ويبدأ في تقليل خروجه وردوده على الرسائل، وأحيانًا يترك هاتفه بعيدًا عنه لساعات طويلة كي يشعر بأن شيئًا لا يطلب انتباهه.
ويوضح أن ما يدفعه إلى الاختفاء هو شعوره بأن التواصل المستمر يستهلك جانبًا من طاقته، خصوصًا عند الضغط، حتى إن أسئلة عادية مثل «عامل إيه؟» تحتاج منه جهدًا للرد عليها. لكنه اكتشف أن البعد لا يحل المشكلة دائمًا، لأنه يحتاج أحيانًا إلى الحديث مع أحد بينما يرفض التواصل مع أي شخص، وبعد انتهاء تلك الفترة يجد أنه خسر فرصًا لمشاركة ما كان يشعر به. ويقول إنه صار يحاول التمييز بين حاجته الحقيقية إلى الراحة وتجنبه الناس لعدم رغبته في مواجهة ضغوطه، ويسعى إلى إبقاء مساحة لنفسه دون قطع علاقاته تمامًا، مؤكدًا أن الراحة الحقيقية ليست في الاختفاء عند كل ضغط، بل في تعلم التعامل مع الضغوط دون الشعور بأنه مضطر إلى الهروب ممن حوله.
وتقول يوستينا ناصر، 22 سنة، إنها بطبيعتها تحب الجلوس وحدها، ولا تشعر بأنه يجب أن يكون حولها ناس طوال الوقت لتكون سعيدة، بل قد تفضل قضاء يوم كامل في المنزل تقرأ أو تشاهد ما تحبه من دون خروجات أو مكالمات. لكنها تفرق بين الأيام التي تختار فيها الوحدة بمزاجها وتلك التي تبتعد فيها عن الناس لأنها غير قادرة على التعامل مع أي شخص، حتى المقربين منها.
وتشرح أن ضغطها أو إحساسها بأن أمورًا كثيرة تحدث في حياتها قد يدفعها إلى إغلاق حساباتها ورفض الخروج، وإقناع نفسها بأنها تحتاج وقتًا، غير أن هذه الفترة تطول أحيانًا من دون أن تشعر. وتضيف أن المشكلة تظهر في أن البعد الطويل يجعل التواصل مع الناس أصعب، فتفكر كثيرًا قبل الرد على رسالة أو الموافقة على خروج، وكأنها تحتاج إلى مجهود لتعود إلى طبيعتها. وتقول إنها بدأت تدرك أن الاستمتاع بالوحدة يعيدها إلى حياتها وهي مرتاحة، في حين أن الهروب من الضغوط يعيدها إلى المشكلة نفسها دون أن تكون قد تعاملت معها، وقد يزيد إحساسها بالوحدة بدل أن يخففه. لذلك تحاول أن توازن بين الوقت الذي تخصصه لنفسها ووجودها مع من تحب، ولم تعد تعتبر كل رغبة في الاختفاء دليلًا على حاجتها إلى البعد، لأن ما تحتاجه فعلًا أحيانًا هو أن تتحدث وتشارك ما بداخلها بدل أن تحمل كل شيء وحدها.
د. هشام رامي: المراهقة والشباب المبكر فترة مليئة بالتقلبات
يقول استشاري الطب النفسي د. هشام رامي إن الأمر لا يرتبط بجيل معين، لأن فترة المراهقة والشباب المبكر مليئة بالتقلبات. ويشرح أن أنماط التقلب تشمل الاقتراب ثم الابتعاد ثم الاختفاء، والندم على أمر ما ثم التراجع عنه، وهي تقلبات سلوكية ومزاجية تصاحب المراهقة المتأخرة والشباب المبكر. ومن طبيعة هذه المرحلة أن يتغير المزاج من دون سبب واضح أو بسبب بسيط مع رد فعل مبالغ فيه، وكذلك الحال في العلاقات الاجتماعية، إذ قد يقترب الشخص من الناس كثيرًا ثم يبتعد عنهم بشكل مبالغ فيه، لدرجة أن التواصل معه إما قوي جدًا وإما منعدم تمامًا. ويضيف أن هذه فترة طبيعية يمر بها كثيرون، لكن التقلبات تكون أكثر مبالغة عند بعض الأشخاص.
الاندماج في العالم الافتراضي يصعّب الحياة الواقعية
من الأسباب التي قد تدفع الشخص إلى تقلب سلوكه، بحسب رامي، عدم قدرته على المثابرة، أي أن يبدأ أمرًا ثم يمل منه بعد فترة فيتوقف عنه ويبحث عن غيره. ويلفت إلى أن الشخص أحيانًا لا يملك الطاقة العصبية الكافية للاستمرار في شيء معين، فيبدأ في التغيير والتبديل أو التوقف أملًا في إيجاد أمر آخر يستمتع به. ويضيف أن الإغراق في العالم الافتراضي يزيد صعوبة التعامل مع العالم الحقيقي، فينعزل الشخص فترة ثم يعود بشخصية أو توجه مختلف، وقد يظل يتبدل بهذه الطريقة، مثل من يغلق حساباته وينشئ حسابًا جديدًا ليبدأ حياة أخرى وكأنه يغير هويته أو طريقته في التعبير عن نفسه.
الفرق بين الوحدة والهروب في النية
يشير رامي إلى وجود فرق بين من يختفي لأنه متألم فعلًا ويريد تجنب أمر يسبب له الألم، ومن يختفي ليعيد شحن طاقته العصبية. ويوضح أن التفرقة الحقيقية تكمن في نية الشخص: هل يريد الجلوس وحده ليرتاح ويستعيد طاقته، أم يحاول الهروب من ضغوط أو مواقف لا يقدر على مواجهتها؟ لكنه ينبه إلى أن الحالتين قد تبدو من الخارج متشابهتين جدًا، لأن الشخص في الحالتين قد يقلل تواصله مع الناس أو يغلق حساباته أو يبتعد عن أصدقائه فترة.
الاختفاء المتكرر في العلاقات العاطفية سلوك غير صحي
يقول رامي إنه إذا كان هناك شخصان مرتبطان، واختار أحدهما الاختفاء وعدم الرد على الطرف الآخر لأيام، فهذا سلوك غير صحي على الإطلاق، وقد يكون مؤشرًا على أمرين. الأول الخوف من الالتزام بالارتباط، أو ما يُعرف بـ«Commitment Anxiety»، أي أن الشخص كلما شعر بأنه يقترب من الطرف الآخر وأن العلاقة تتطور بدأ يشعر بالخوف من الارتباط نفسه. والثاني أن يواجه صعوبة في التعامل مع من يرتبط به، فيفضل الهروب من العلاقة ثم العودة إليها، بدل مواجهة المشكلة بوضوح. ويذكر أن الشخص قد يرد بمشقة ويتحدث قليلًا ثم يختفي مرة أخرى، ثم يعود باهتمام مبالغ فيه، وهو ما قد يرتبط بنمط يُعرف بـ«Love Bombing»، أي إظهار اهتمام ومشاعر مكثفة بشكل مفاجئ. ويرى أن هذا السلوك قد يعكس شخصية مترددة أو خوفًا من الالتزام والارتباط، لكن لا يمكن الجزم بشيء من التصرف وحده.
راقب تكرار السلوك قبل الحكم
لفهم طبيعة من يختفي باستمرار، يدعو رامي إلى النظر في سلوكه في مواقف أخرى: هل تظهر عليه علامات تردد في قراراته عمومًا، أو توتر عندما تقترب العلاقة، أو هروب متكرر من الارتباط والمسؤولية؟ ويقول إن هذه كلها مؤشرات تساعد في فهم طبيعة سلوكه، لكن لا شيء مؤكد بنسبة مائة في المائة، وإن الشخص نفسه هو الأقدر على توضيح دوافعه الحقيقية. وبناء على ذلك، ليس كل من يختفي خائفًا من الارتباط، وليس كل من يطلب مساحة لنفسه هاربًا من المسؤولية، لكن تكرار السلوك وطريقة التعامل مع الطرف الآخر يساعدان على فهم الصورة بشكل أفضل.
احترام المساحة وحق الطرف الآخر في معرفة السبب
ينصح رامي الطرف الآخر بأن يحترم رغبة الشخص في الاختفاء أو الخلوة، وألا يضغط عليه وهو بعيد، وأن يحترم حاجته إلى المساحة الشخصية. لكنه يضيف أنه عندما يعود ويتواصل، فمن حق الطرف الآخر أن يسأله ويفهم ما حدث، ولماذا اختفى، وما السبب الذي جعله يبتعد تلك الفترة. أي إنه لا يضغط عليه أثناء اختفائه، لكن بمجرد عودته وتواصله من حقه أن يطلب منه شرح أين كان وما جرى، حتى يفهم طبيعة العلاقة ويحدد كيف يتعامل معه بعد ذلك.


