في أعماق البحار يعيش كائن صغير شفاف الجسد حيّر العلماء بقدرته على التراجع في العمر بدلًا من التقدم نحو الشيخوخة، وهو قنديل البحر الذي يحمل الاسم العلمي «Turritopsis dohrnii» والملقب بـ«الخالد»، لأن بإمكانه في ظروف معينة أن يعيد دورة حياته إلى نقطة البداية. وتتجه الأنظار إلى جيناته على أمل أن تكشف عن مداخل جديدة لمعالجة الأمراض المرتبطة بتقدم السن، وفق ما أوردته BBC.
وعندما يتعرض هذا الكائن لضغط أو إجهاد، يترك شكله البالغ الذي يشبه مظلة تحيط بها لوامس، ويتحول إلى تجمع من الخلايا تنشأ منه مرحلة مبكرة تعرف بـ«البوليپ»، تنمو بعدها لتشكل مستعمرة تنتج قناديل جديدة.
كيف يعكس قنديل البحر دورة حياته؟
وتعود أول ملاحظة علمية لهذه الظاهرة إلى عام 1992، حين كان باحث إيطالي يربي هذه الكائنات في المختبر، ونسي إطعامها خلال عطلة نهاية الأسبوع، فتوقع أن يجدها ميتة، لكنه عثر بدلًا من ذلك على بوليبات جديدة.
وأوضحت دراسات لاحقة أن جانبًا من خلايا القنديل البالغ قادر على الخضوع لما يعرف بـ«التحول التمايزي»، إذ يستعيد حالة أقل تخصصًا قبل أن يتحول إلى أنواع خلوية أخرى لازمة لتشكيل طور جديد من دورة الحياة. ولا يعني ذلك أن الكائن لا يموت، لكنه يملك آلية تجدد استثنائية لا نظير معروف لها بين الحيوانات الأخرى.
وفي دراسة ظهرت عام 2022، عقد فريق بحثي مقارنة بين التركيب الجيني لقنديل البحر الخالد وتركيب نوع قريب منه، فلاحظ وجود نسخ إضافية من جينات تسهم في إنتاج بروتينات تعمل على إصلاح تلف الحمض النووي، إلى جانب جينات ترتبط بالحفاظ على «التيلوميرات»، وهي بنى تحمي أطراف الحمض النووي وتقصر في العادة كلما تقدم العمر.
ورصدت أبحاث أخرى نشاطًا واضحًا لجينات مرتبطة بإصلاح المادة الوراثية والتجدد في مراحل محددة من حياة القنديل، بينما أشارت دراسة أولية إلى تداخل بين بعض جيناته النشطة وجينات ترتبط بطول العمر عند الإنسان، وهو ما يطرح سؤالًا عن إمكانية الاستفادة من آليات بيولوجية مشتركة بين النوعين.
ويأمل الباحثون أن يساعد فهم هذه الآليات في تحفيز خلايا وأنسجة الإنسان على استعادة بعض خصائصها الشابة، بما قد يفتح مجالات لعلاج الجروح وإصلاح الأنسجة المتضررة بعد النوبات القلبية والسكتات الدماغية، ودراسة الأمراض التنكسية المرتبطة بالعمر مثل ألزهايمر. غير أن هذه الاحتمالات ما زالت في مراحل بحثية مبكرة، ولا تتوافر حتى الآن أدلة تثبت إمكانية نقل قدرة القنديل إلى البشر على نحو علاجي.
ورغم اللقب اللافت، يبقى قنديل البحر الخالد كائنًا هشًا، إذ قد يعجز بعض أفراده عن التجدد، كما يواجه في بيئته الطبيعية مخاطر المفترسات ونقص الغذاء والطحالب.
وبذلك يظل هذا الكائن لغزًا علميًا في مقاومة الشيخوخة، ونافذة لفهم أعمق لحدود الحياة والتجدد وما قد تقدمه الطبيعة للطب في المستقبل.


