اختير فيلم «القصص» للمخرج أبو بكر شوقي لتمثيل مصر في ترشيحات أوسكار ٢٠٢٧ عن فئة أفضل فيلم دولي، بعد أن استبعدت لجنة الاختيار فيلم «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح بحجة أنه غير مصري وأنه فرنسي الجنسية، وهو قرار اعتبرته الكاتبة د. أمل الجمل غير مبرر ويفتح ملفات عدة في طريقة التعامل مع الأفلام المصرية.
وقبل أشهر من ذلك، نشرت الفنانة إلهام شاهين منشوراً على فيسبوك في ٢٠ نوفمبر ٢٠٢٥ أشادت فيه بتجربة «الحياة بعد سهام»، وكتبت: «فيلم صادق مليء بالمشاعر والإنسانيات.. وفعلا الحياة بعد فقدان الأم مختلفة جدا.. أُحييك على فيلمك وأتمنى لك التوفيق». وشكرت المخرج أمير رمسيس على تحمسه لتجربة عبد المسيح ومشاركته في إنتاج الفيلم.
وأشارت الجمل إلى أن أحد أعضاء اللجنة، وهو ناقد فني، قال في برنامج تلفزيوني إن فيلم نمير يتناول علاقة الابن بأمه، وإن هذه التيمة تتكرر في سينما بلدان كثيرة، ولذلك كان الأفضل اختيار فيلم ذي تيمة غير متكررة.
ورأت أن هذا التبرير لا يستقيم، لأن السينما في العالم كله لا تخرج عن ٣٧ تيمة تُعاد بمعالجات وتنويعات لا حصر لها، وعلاقة الأم بابنها واحدة منها، والقيمة الحقيقية تكمن في المعالجة الخلاقة. وأضافت أن انطلاق الفيلم من المحلية كان يستحق الإشادة لا الاستبعاد، قبل أن يضيف العضو سبباً آخر هو انتفاء الجنسية المصرية.
مبدعون يفرضون أنفسهم خارج الحصار
وتساءلت الكاتبة عمّا كان سيحدث لو حصد عبد المسيح جائزة من المهرجانات الكبرى، وفق التعديلات التي أُدخلت على شروط الفيلم الأجنبي، فتقدّم بنفسه إلى الأوسكار ووصل إلى أي من قائمتي الـ١٥ أو الخمسة أو فاز، أو رشّح نفسه كما جرى مع فيلم «امرأة مجهولة». وقالت إن الصحافة كانت ستسارع في تلك الحالة إلى الاحتفاء بالمخرج والفيلم المصري المرشح للأوسكار، على غرار ما حدث مع فوز مي الطوخي بالأسد الذهبي، وشبهت الأمر بما جرى مع محمد صلاح، مضيفة أن على المبدع أن يشق طريقه وسط القهر وأن يمزق الشرنقة خارج ما وصفته بالحصار والشلة والبيروقراطية والقوانين العمياء، قبل أن تُباهي به مصر بعد نجاحه دولياً.
ما ينتقده شوقي مورس على أفلام أقوى
وانتقلت الجمل إلى الفيلم المرشح، فرأت أن ما ينتقده مخرجه من سمات في بنيته قد مورس على أفلام أكثر أهمية وقوة سينمائية، منها «المستعمرة» للمخرج محمد رشاد وفيلم عبد المسيح. وتساءلت عمّا إذا كان «القصص» يستحق هذا الترشيح، وما إذا كان يصح الفخر بمستوى سينمائي يشوبه — في تقديرها — خلل وتشوّه فكري وفقدان لبوصلة النقد الموضوعي لأحوال البلد حتى داخل إطار السخرية، مع مشاكل في بناء الشخصيات والتطور الدرامي.
شخصيات بلا روح مصرية وأداء أقل من المستوى
ورأت الكاتبة أن اثنين من أقوى ممثلي مصر شاركا في العمل لكن أداءهما جاء مخيباً وأقل من مستواهما الحقيقي، فنيلي كريم لم تُضف إلى الدور ولم يُضف إليها، بل سحب من رصيدها، وبدا بعض مشاهدها في وصفها أداءً مدرسياً كأنها ممثلة مبتدئة. ولم يكن أحمد كمال، الذي تعتبره من أهم ممثلي مصر رغم أنه ليس نجم شباك، في قوة أدواره السابقة. واعتبرت أن اسم أمير المصري بموهبته وأدواره في السينما العالمية لا يكفي لجذب انتباه لجنة التصويت، وأن اسم أبو بكر شوقي وحده لا يمرّر عملاً يشوبه الخلل الفكري وتتعدد فيه مشاكل شريط الصوت، ووصفته بأنه شديد الصخب ومزعج وغير واقعي، على خلاف أعمال المخرج والسيناريست محمد أمين الذي كان يوظف الأغاني بمهارة فائقة.
وأضافت أن شوقي كان يجرب أفكاره في شريط الصوت بزخم مبالغ فيه، وأنها لا تلومه على التجريب لكنه أخفق فيه، وأنه طالما أن الفيلم دون مستوى أعماله السابقة وهناك أفلام تتفوق عليه فينبغي إفساح المجال لمن يستحق سينمائياً.
وفي ما يخص حظوظ الترشيح، ذكّرت الجمل بأن اختيار «القصص» لا يضمن شيئاً، وأن وصوله إلى القائمة النهائية غير مؤكد في ظل مستوى أفلام عربية أخرى من لبنان والجزائر والأردن وكردستان والمغرب، وأفلام دولية مهمة بينها عمل للمخرج الروماني كريستيان مونجو، والفيلم التركي الألماني «رسائل صفراء»، وفيلم «امرأة مجهولة» للمخرجة الدانماركية المصرية مي الطوخي. ورأت أن مستوى «القصص» متواضع فنياً سينمائياً، وأن موضوعه شديد المحلية رغم محاولة إضفاء بعد تاريخي وسياسي ورغم علاقة الحب المتعدية للجنسية، وأن شخصياته انتهت إلى النمطية وفقدان الروح المصرية الأصيلة.
أسئلة مفتوحة حول الإنتاج المشترك والدعم
ورأت الجمل أن ترشيح «القصص» يفتح ملفات تتصل بالتعامل مع الأفلام المصرية، وبخاصة ذات الإنتاج المشترك مثل فيلم عبد المسيح، حتى لو عُرض في دور السينما المصرية كفيلم أجنبي. وذكّرت بأن صندوق دعم البحر الأحمر حين يقدم دعماً لفيلم يصبح شريكاً في إنتاجه، وأن مؤسسة الدوحة للأفلام لها نصيب كبير في إنتاج أو دعم أفلام عربية مُرشحة لتمثيل بلادها، وأن الأردن اختارت في أوسكار ٢٠٢٦ فيلماً لا ينطق بلغتها ولا صلة له بهويتها ومخرجه غير أردني، لمجرد أنها دعمته مادياً. ودعت إلى التأمل في تجارب الآخرين والاستفادة منها، وقالت إن استبعاد «الحياة بعد سهام» يشي بالعبث في أوضح صوره.
وأشارت إلى أن الفيلم عُرض في مصر كفيلم أجنبي، لكن موضوعه وهوية مخرجه مصريان تماماً، وأن منتجه الرئيسي شركة نمير عبد المسيح الحاملة للجنسية الفرنسية، مع شراكة تمويلية مصرية من شركتي ريدستار وأمبيانت لايت في مرحلة ما بعد التصوير، وتساءلت عمّا إذا كانت أعمال ما بعد التصوير لا تُحسب شراكة في الإنتاج. ولفتت إلى أن الفيلم عُرض في مهرجان القاهرة تحت مسمى إنتاج مصري فرنسي، وأن وسائل الإعلام تعاملت معه كفيلم مشترك بهوية مصرية، معتبرة أن هناك حسابات أخرى في غرف مغلقة تستدعي قرارات جريئة لحماية المبدعين المصريين ولصالح تاريخ السينما المصرية.
رسوم تسبق القيمة الثقافية
وذكّرت الكاتبة بتجربة فيلم «باب الشمس» للمخرج يسري نصرالله، عندما طالبته النقابات عام ٢٠٠٤، أي قبل ٢٢ عاماً، بدفع مبلغ كبير يقترب من نصف مليون ليحصل الفيلم على الجنسية المصرية، فرفض، وقالت إن الخاسر الوحيد هو السينما المصرية وتاريخها، بسبب قوانين مجحفة يُصر موظفون على تطبيقها وجباية الأموال قبل التفكير في القيمة الثقافية والفكرية، وصولاً إلى حرمان فيلم بارز عن القضية الفلسطينية من الجنسية المصرية.


