كلما طلبت مروة أحمد من ابنتها تنفيذ أمر، أو رفضت لها طلبًا، سمعت منها العبارة نفسها: «أنا كبيرة وبفهم». الأم تقول إن هذا الرد بدأ يتكرر منذ فترة، وإنها تتعامل معه باعتباره محاولة من الطفلة لإثبات أن لها شخصية ورأيًا، لا رغبة في الاستغناء عن أسرتها.
مروة أحمد: أسمعها وأمنحها مساحة للاختيار
تحكي مروة أحمد، أم لطفلة من جيل ألفا، أن العبارة تظهر أكثر ما تظهر عندما تخاطب ابنتها بأسلوب فيه أوامر، أو حين تختار لها شيئًا دون أن تأخذ رأيها، مثل الملابس أو الأنشطة التي تفضلها. وتضيف أن الطفلة ترد أحيانًا بأنها فاهمة ولا تحتاج من يشرح لها، فتلجأ الأم إلى تفسير أسباب طلبها بدل الاكتفاء بعبارة «عشان أنا مامتك».
وترى أن إعلان الطفل أنه كبر لا يعني أنه صار قادرًا على الاستغناء عن أهله، بل إنه يحاول أن يثبت أن رأيه مهم، ولهذا تحرص على الاستماع إليه ومنحه مجالًا للاختيار ما دام الاختيار مناسبًا لسنه. وفي الوقت ذاته تشرح لابنتها الفرق بين أن يكون لها رأي وشخصية، وبين أن تتحمل مسؤولية كل قراراتها، فهي تحتاج إلى توجيه واحتواء مهما بدت واثقة.
ليلى أحمد: أريد أن أختار بنفسي دون أن أشعر بأنني لا أفهم
من جهتها تقول ليلى أحمد، 11 عامًا، إنها تحب أن تعاملها والدتها ككبيرة وأن تسمع رأيها، وتزعجها عبارة «لما تكبري هتفهمي» لأنها تشعر حينها بأن صوتها غير مسموع،尤其 وأنها تريد أن تعرف سبب الرفض وأن تعرض رأيها هي أيضًا.
وتوضح أنها تلجأ إلى عبارة «أنا كبيرة وبفهم» عندما يُرفض لها طلب، حتى تدرك والدتها أنها تفهم الأمور وأن ليس كل شيء يجب أن تقرره نيابة عنها. وتضيف أنها تفرح كثيرًا عندما تتركها والدتها تجرب أمرًا جديدًا وتصفها بأنها شاطرة، وأنها تحب أن تختار ملابسها وترتب أشياءها بنفسها، وتعرف أنها ما زالت صغيرة في بعض الأمور، لكنها لا تحب أن تُشعر بأنها لا تفهم شيئًا، وتفضل أن تُسمع وتُشرح لها الأسباب حتى لو انتهى الأمر بالرفض.
د. إبراهيم مجدي: الاستقلالية تبدأ من سن السابعة
يقول استشاري الطب النفسي الدكتور إبراهيم مجدي إن الإنسان يمر خلال نموه بمراحل نفسية متعددة، ومن أبرز من تناولها عالم النفس إريك إريكسون الذي قسّم النمو النفسي والاجتماعي إلى مراحل عمرية، لكل منها احتياجات وتحديات تؤثر في شخصية الإنسان.
ويشرح أن الطفل بين السابعة والرابعة عشرة يبدأ في تكوين إحساس أكبر بقدرته على الاستقلال، وبأنه قادر على التفكير والاختيار وتقييم الأمور بما يناسب سنه، ويستمد ثقته بنفسه من نجاحاته في الدراسة أو الرياضة أو علاقاته بأصدقائه، ويصبح قادرًا على اتخاذ قرارات بسيطة تخص حياته ومناقشة أهله في بعض الأمور بدل أن يكتفي بتلقي الأوامر وتنفيذها.
«أنا كبير وبفهم».. تعبير عن الرغبة في الاستقلال
في هذه المرحلة تبدأ للطفل تفضيلات خاصة في اللبس أو الرياضة أو الأماكن التي يرتادها أو الأشخاص الذين يقضي معهم وقته، ويريد أن يجد اختياراته مسموعة ومحل اهتمام. وعبارات مثل «أنا كبير وبفهم» أو «أنا عارف مصلحتي» قد تكون تعبيرًا عن رغبة في الاستقلال ورفضًا للبقاء طوال الوقت تحت سيطرة الأهل وتنفيذ رغباتهم دون أن يكون له رأي.
ويشدد مجدي على أن كل اعتراض من الطفل لا يعني أنه عنيد، لأن هناك فرقًا بين أن يعترض على موقف معين لأنه يريد أن يختار بنفسه، وبين أن يرفض كل الطلبات والتعليمات باستمرار من لحظة استيقاظه حتى نومه.
تجاهل رأي الطفل يضعف ثقته بنفسه
يؤكد استشاري الطب النفسي أن الأهل مطالبون بأن يشعروا الطفل بأن رأيه مهم، لأن تجاهل كلامه أو السخرية من أفكاره أو التقليل منها قد يؤثر في ثقته بنفسه ويجعله يشعر بأن لا أحد يهتم بوجهة نظره. وينصح الأب والأم بالاستماع إلى الطفل حين يعبر عن رأيه حتى عند الاختلاف معه، وبمناقشته وشرح أسباب رفض بعض طلباته بدل أن يكون الرد الدائم «إنت لسه صغير ومش فاهم»، مع تجنب السخرية من اختياراته أو التقليل من قدرته على التفكير.
التقليل من الطفل قد يظهر أثره في الكبر
يحذر مجدي من أن نمو الطفل دون أن يكتسب الثقة في قدراته والاستقلالية المناسبة لسنه قد ينعكس على شخصيته لاحقًا، ويزيد احتمالات تعرضه للقلق والتوتر أو الانسحاب من المواقف الاجتماعية، خصوصًا إذا كان يواجه باستمرار تقليلًا من رأيه وقدراته. ولهذا يحتاج الأهل إلى الموازنة بين دورهم في التوجيه والحماية وبين منح الطفل مساحة مناسبة للاختيار واتخاذ القرار، فالهدف ليس استقلالًا تامًا عنهما، بل أن يتعلم التفكير وتحمل مسؤولية اختياراته بالتدريج.
ابدأوا مع الطفل بخيارات بسيطة
يمكن للأسرة تنمية استقلالية الطفل عبر أمور يومية صغيرة، مثل اختيار قصة الشعر أو العطر الذي يستخدمه أو الأنشطة التي يمارسها أو المكان الذي يفضل الخروج إليه، ما دامت الخيارات مناسبة لسنه وآمنة. وعندما يجد الطفل فرصة للاختيار في هذه الأمور يشعر بأن له شخصية ورأيًا، ويتعلم في الوقت نفسه أن القرارات ليست مفتوحة بلا حدود، وأن هناك مواقف عليه أن يتبع فيها توجيهات أهله.
ويختم بأن الأهم أن يعلّم الأهل الطفل كيف يختار، لا أن يختاروا عنه كل شيء، لأن الاستقلالية تتكون بالتدريج من خلال التجربة والمناقشة والثقة، مع استمرار دور الأسرة في التوجيه ووضع الحدود المناسبة لعمره.


