نشرت نتائج هذه الدراسة في دورية Nature Communications، وسلطت الضوء على وظيفة مجموعة من الجزيئات الدهنية الدقيقة تُعرف باسم “الأوكسيليبينات الإيبوكسيدية”، ودورها في ضبط الاستجابة المناعية وإعادة الجسم إلى حالة الاتزان بعد انتهاء الالتهاب.
لماذا يصبح الالتهاب مشكلة صحية؟
يُعتبر الالتهاب ركيزة أساسية في منظومة دفاع الجهاز المناعي، حيث يمكّن الجسم من التصدي للعدوى والتعامل مع الأنسجة التالفة، وفق ما أورده موقع “ساينس ديلي”.
غير أن استمرار هذا الالتهاب لفترات مطولة قد يلحق الضرر بالأنسجة السليمة، ويرتبط بالعديد من الأمراض المزمنة مثل التهاب المفاصل وأمراض القلب والسكري. من هنا، سعى الباحثون إلى فهم الطريقة التي يدرك بها الجسم انتهاء الخطر، لينتقل من طور مواجهة التهديد إلى طور إصلاح الأنسجة وتهدئة الالتهاب.
جزيئات دهنية تقوم بدور “المكابح” الطبيعية
أوضحت الدراسة أن الأوكسيليبينات الإيبوكسيدية تضطلع بمهمة محورية في المساعدة على إنهاء الاستجابة الالتهابية.
ووفقًا لفريق البحث، تساهم هذه الجزيئات في كبح الزيادة المفرطة في نوع معين من خلايا الدم البيضاء يُعرف باسم “الخلايا الوحيدة الوسيطة” أو Intermediate monocytes، والتي قد يكون لها دور في الاستجابة المناعية، إلا أن تضخم أعدادها أو استمرار نشاطها قد يرتبط بالالتهاب المزمن.
كيف اختبر الباحثون هذه الآلية على البشر؟
لدراسة هذه العملية، شارك متطوعون أصحاء في تجربة استعان فيها الباحثون بنموذج تجريبي للالتهاب الحاد، عبر حقن كمية ضئيلة من بكتيريا الإشريكية القولونية المقتولة بالأشعة فوق البنفسجية في جلد الساعد.
ولأن البكتيريا كانت ميتة، فإنها لم تتسبب في عدوى، لكنها حفزت استجابة التهابية مؤقتة، ظهرت على شكل أعراض مثل الألم والاحمرار وارتفاع حرارة الجلد والتورم.
وقسم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين، بهدف اختبار تأثير تثبيط إنزيم يُسمى sEH في مراحل مختلفة من الاستجابة الالتهابية.
دواء يرفع مستويات الجزيئات الواقية
استخدم الباحثون دواء GSK2256294، الذي يعمل على تثبيط إنزيم “soluble epoxide hydrolase” أو sEH.
وفي الأحوال الطبيعية، يساعد هذا الإنزيم على تكسير الأوكسيليبينات الإيبوكسيدية، وبالتالي فإن تثبيطه يتيح ارتفاع مستويات بعض هذه الجزيئات في الجسم.
وأظهرت النتائج أن تثبيط الإنزيم أدى إلى زيادة مستويات بعض الأوكسيليبينات، من بينها 12,13-EpOME و14,15-EET، كما ساعد على تسريع تراجع الألم وتقليل أعداد الخلايا الوحيدة الوسيطة في الدم وموقع الالتهاب.
تأثير ملحوظ على الخلايا المناعية
وجد الباحثون أن العلاج أدى إلى انخفاض واضح في أعداد الخلايا الوحيدة الوسيطة التي ترتفع أثناء الاستجابة الالتهابية.
كما أظهرت التجارب أن أحد الأوكسيليبينات، وهو 12,13-EpOME، يؤثر في مسار إشارات بروتيني يُعرف باسم p38 MAPK، والذي يشارك في انتقال الخلايا الوحيدة من الشكل التقليدي إلى الشكل الوسيط.
وبناءً على ذلك، يشير البحث إلى أن تعزيز مستويات هذه الجزيئات قد يساهم في الحد من هذا التحول، بما يدعم تنظيم الاستجابة الالتهابية وإنهاءها.
هل اختفت جميع علامات الالتهاب؟
على الرغم من تأثير العلاج في الألم وأعداد بعض الخلايا المناعية، لم يلاحظ الباحثون تغيرًا كبيرًا في بعض العلامات الظاهرة للالتهاب، مثل الاحمرار والتورم وارتفاع حرارة الجلد.
كما لم يؤثر تثبيط إنزيم sEH بشكل واضح في بعض السيتوكينات والكيموكينات الالتهابية التي قاسها الباحثون، وهو ما يشير إلى أن التأثير المكتشف قد يكون مرتبطًا بآليات مناعية محددة أكثر من كونه إيقافًا شاملًا للالتهاب.
هل يمكن أن يؤدي الاكتشاف إلى علاج للأمراض المزمنة؟
يرى الباحثون أن فهم هذه الآلية الطبيعية قد يساعد مستقبلًا في تطوير أدوية تستهدف الالتهاب بطريقة أكثر دقة، بدلًا من تثبيط جهاز المناعة بالكامل.
وقد تمثل مثبطات إنزيم sEH أحد المسارات التي تستحق مزيدًا من الدراسة في الأمراض المرتبطة بالالتهاب المزمن، لكن النتائج الحالية لا تعني وجود علاج مثبت أو متاح للمرضى، إذ لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من التجارب السريرية لتقييم فعالية هذه الاستراتيجية وسلامتها لدى المصابين بالأمراض المزمنة.
وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، الدكتورة أوليفيا براكن، إن النتائج تكشف مسارًا طبيعيًا يساعد على الحد من التوسع الضار لبعض الخلايا المناعية وتسريع تهدئة الالتهاب، بينما أشار الباحث المشارك البروفيسور ديريك جيلروي إلى أن الدراسة تمثل أول خريطة لنشاط الأوكسيليبينات الإيبوكسيدية أثناء الالتهاب لدى البشر.


