صدرت في مايو الماضي أغنية «ألو!؟» للمغنية وكاتبة الأغاني المصرية نور، لتكون أول أغنية منفردة من ألبومها الذي يحمل اسمها «nour» (2026) والذي طرحته هذا الصيف. وخلال دقائقها القليلة لا تقدم نور مرثية لعلاقة انتهت، بل موقفًا مغايرًا: أن يتوقف المرء عن الاهتمام، وعن البحث عن أعذار للآخر، وأن يكتشف أنه في حال جيدة وحده.
من الحزن إلى اللامبالاة
هذا الموقف يبدو، في سياق الأغنية العربية، خروجًا على تقاليد راسخة. فالبطلة التراجيدية في البوب العربي عُرّفت طويلًا بقربها من الحزن، وكُتبت للمغنيات في كثير من الأحيان أدوار المرأة الهشة أو المنكسرة أو المظلومة حتى النهاية. أما نور فحين تؤدي كلمات تعني في ترجمتها: «هل رحلت؟ إذن فلتذهب إلى الجحيم»، فإنها تستبدل الحزن بحرية كاملة، في أغنية خفيفة وسهلة الحفظ وشديدة اللامبالاة.
ولفتيات يُنتظر منهن على الدوام أن يفرطن في التفكير، وأن يبقين في حالة تأهب، وأن يضحين بمشاعرهن، تحمل الأغنية رسالة مختلفة: اخترن الانفصال العاطفي. فبدلًا من استنزاف النفس على وجع القلب، يمكن التمسك بالسلام والقدرة على المضيّ.
مساحة سبقتها إليها سيمون
والأغنية جزء من ألبوم تقول نور فيه إنها تدخل مرحلة جديدة بوصفها شخصية بوب قائمة بذاتها. تتعامل مع الأناقة على سبيل اللعب، وتنتقل بين إطلالات غير متوقعة بسهولة خاصة بها، مع خفة واضحة ورفض لأخذ نفسها بجدية زائدة، ولامبالاة جذابة تجاه الأعراف التي حكمت طويلًا شكل المغنيات وسلوكهن. وكانت بعض أعمالها السابقة أقرب إلى الهشاشة الخام ووجع القلب، قبل أن تنقلب «ألو!؟» إلى الطرف المقابل.
وفي هذا السياق، تبدو نور وكأنها تحتل مساحة ثقافية سبقتها إليها سيمون. ففي عام 1992 أصدرت المغنية المصرية أغنية «مبسوطة» ضمن ألبومها «ألو» الصادر عام 1993، وظهرت في الكليب بنظارة سوداء وشعر مجعد كثيف وبدلة سوداء واسعة، في هيئة بدت مخالفة عن قصد للصورة التي كان يُنتظر من المغنيات تقديمها وقتها.
لم يكن في الإطلالة بريق مبالغ فيه ولا تنسيق ذو طابع جنسي صريح، لكنها لم تكن محاولة للاختفاء في المجهول أيضًا. وقفت سيمون في مساحة وسطى بدت ملكًا لها وحدها: لعوب وواثقة وغير مألوفة قليلًا، تحمل نفسها بسهولة جعلت المظهر يبدو امتدادًا لشخصيتها لا بيانًا مقصودًا. وبعد عقود، تبدو نور قريبة من المساحة ذاتها.
وفي الفضاءات الرقمية اليوم، بات الوقوف غير المكترث شكلًا من العصيان الصغير. فحين يثقل كل شيء، تصبح الفكاهة الجماعية والتبلد المتعمد وسيلتين للنجاة: أن ترفع يديك وتشغل أغنية وتضحك من عبث ما كان يحطمك، ولو لثلاث دقائق.
فالهواتف تصل بالعالم في شظايا مستعجلة، كل منها تصر على أهميتها، ويبدو دائمًا أن هناك سببًا آخر للشعور بأن الإعراض إخفاق.
لذلك، فإن الحرية التي تمنحها «ألو!؟» ليست هروبًا من العالم بقدر ما هي تغيير للعلاقة به؛ حرية أن تكون شابًا دون أن تأخذ كل تفصيل في الوجود بجدية قاتلة. ولا يمكن إسكات الضجيج أو ترتيب الفوضى أو جعل المستقبل أقل غموضًا، لكن يمكن اختيار مقدار ما نسلمه منه: أن نضحك، وأن نرقص، وأن ندع أغنية تحملنا لثلاث دقائق دون أن نطلب منها تفسير العالم.


