• الرئيسية  
  • الوحش الذي صنعه العنف: أعمال مصرية تعيد رسم صورة المرأة
- صحة ورفاهية

الوحش الذي صنعه العنف: أعمال مصرية تعيد رسم صورة المرأة

أعمال مصرية من «حكاية نرجس» إلى «ظل القاهرة» تعيد قراءة صورة المرأة في الرعب، حيث يتحول العنف الواقع عليها إلى وحشية تنتقم.

امرأة في مشهد سينمائي مصري يعكس رعب أن تكون امرأة تحت العنف

ظلّ الربط بين المرأة والشيطان حاضرًا في عدد من أوائل الأفلام الغربية والمصرية، معبّرًا عن قلق ذكوري من سلطة المرأة في المجتمع، ومن أشياء حاولت المجتمعات دائمًا التحكم فيها: الرغبة، والاستقلال، والغضب. وفي عام 1972 عُرض فيلم مصري حمل عنوان «الشيطان امرأة»، وهو عنوان يكشف ذلك الاقتران القديم بين الأنوثة والخطر. وعلى الضفة الغربية نفسها تكررت شخصية «المرأة القاتلة» التي تستخدم جاذبيتها للتلاعب بالرجال وتدميرهم. وفي هذه الصور كلها، قُدّمت قوة المرأة بوصفها أمرًا مهددًا، خصوصًا حين تقع خارج الحدود التي يرسمها المجتمع الأبوي.

لكن السينما النسوية قلبت المعادلة لاحقًا. صار الرعب وسيلة تُظهر ما يحدث عندما تتحول المرأة إلى وحش، وكيف يمكن قراءة وحشيتها انتقامًا لما جرى لها. فالوحش الأنثوي لم يعد مجرد امرأة مخيفة بسبب قوتها، بل قد يكون النتيجة التي تظهر حين تجمع امرأة عانت من التسليع والسيطرة والانتهاك سلطةً على من أذاها. وهنا لا يكفي أن نسأل عن سبب تحولها إلى وحش، بل عن الجهة التي صنعتها كذلك.

من أبرز الأمثلة الحديثة على هذا النوع فيلم «جسد جينيفر» (2009)، وفيه مشهد كثيرًا ما يُغفل رغم أنه قد يكون الأهم في العمل كله. تروي جينيفر، التي تؤدي دورها ميغان فوكس، لصديقتها نيدي أن فرقة موسيقية مستقلة طعنتها بالسكين بعنف، وأنها بدلًا من أن تموت سكنها شيطان. تقول: «كان يجب أن يقتلني، لكنه لسبب ما لم يفعل». فترد نيدي بجملة قصيرة تحمل دلالة أعمق: «ربما فعل».

المشهد إشارة صريحة إلى الاعتداء الجنسي والاغتصاب، بما يوحي بأن القتل شبيه بالاعتداء على جسد الآخر. وجينيفر لا تموت جسديًا، لكن عنف ما جرى لها يصدمها ويغيّرها تمامًا ويحولها إلى شيطان، سواء أدركت ذلك أم لم تدركه.

في ما يلي أعمال مصرية تقارب قضايا النساء عبر عدسة الرعب، لا عبر الأشباح والكائنات الشيطانية بالضرورة، بل بكشف الحقيقة المفزعة عن الكيفية التي تُصنع بها المرأة وحشًا، والأهم من ذلك: من أين يبدأ ذلك.

حكاية نرجس (2026)

يقدّم الفيلم في جوهره مقاربة مقلقة لما يحدث حين تُشعَر المرأة بأنها فشلت في أن تكون امرأة. تدفع رغبة نرجس الملحّة في الأمومة إلى الخداع والجريمة، لكن الرعب الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير: في التوقعات المعلّقة عليها، وفي الحكم الذي يلاحق النساء اللواتي لا ينجبن، وفي المراقبة الدائمة لأجسادهن، وفي الاعتقاد الراسخ بأن الأمومة وحدها تمنح المرأة قيمتها ومعناها وشرعيتها.

حياة نرجس مرعبة لا لأنها تصطدم بأمر خارق، بل لأنها محاصرة داخل توقعات هي نفسها شبه وحشية. تُقاس باستمرار على مثال لما يجب أن تكون عليه المرأة، ولا تكاد تجد مساحة للوجود خارجه. ويرفع العمل سؤالًا عن هوية الوحش الحقيقي: أنرجس، التي يحوّلها يأسها إلى الشيء الذي يخشاه المجتمع؟ ربما يكمن الرعب في أن التوقعات المفروضة عليها كانت وحشية من البداية.

المرأة والساطور (1996)

من إخراج سعيد مرزوق، ويُعد من اللافت في انشغال السينما المصرية بالمرأة التي تصبح وحشًا ردًا على العنف. يستند الفيلم إلى قضية واقعية شهيرة في الإسكندرية، ويتابع أرملة يتعرض لها زوجها بالاستغلال والإيذاء، ويمتد عنفه وتلاعبه إلى تهديد ابنتها، فتنتهي بقتله وتقطيع جسده.

ظاهريًا هو فيلم جريمة صادم يقوم على القتل والدم وصورة المرأة وهي ترفع الساطور في وجه رجل، لكن تحت هذه الإثارة سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا يحدث حين يدفع العنف بالمرأة إلى حد لا يبقى أمامها من فاعلية سوى العنف نفسه؟ وحشيتها لا تنشأ من فراغ، بل تنتجها الإساءة. هي لا تدخل الحكاية وحشًا، بل تصير كذلك عبر سلسلة من الإهانات والتهديدات وأفعال العنف الذكوري التي تسلبها تدريجيًا كل أشكال الحماية والعدالة المتاحة لها. ولعل الرعب الأكبر ليس في أن امرأة معنّفة صارت قادرة على القتل، بل في أنها اضطرت إلى التحول إلى وحش قبل أن يُؤخذ عذابها على محمل الجد.

ظل القاهرة (2020)

تمنح المخرجة تارا شحاتة شخصية الوحش الأنثوي شكلًا حضريًا معاصرًا. يتابع الفيلم فتاة صغيرة تفقد أمها، فتتحول إلى منتقمة تطارد المتحرشين في القاهرة. والوحشية هنا ليست أمرًا خارقًا يحل بها فجأة، بل مرتبطة بالصدمة والفقد والعنف اليومي الذي تُجبر النساء والفتيات على التعامل معه. تبدأ الفتاة من موقع هش، لكن ما يحيط بها يحوّل هذا الهشاشة تدريجيًا إلى شيء أكثر تهديدًا؛ فالتحرش والفقد والخوف وخذلان من حولها لا يتركون فيها أثرًا نفسيًا فحسب، بل يصوغون نوع الشخص الذي تصبحه.

ولشوارع القاهرة دور محوري في هذا التحول، فالمدينة ليست خلفية للحكاية بل جزء من رعبها. الفضاء العام، الذي يفترض أن يمنح الحرية والحركة، يصير مكانًا للمراقبة والتهديد والانكشاف. وهكذا تصبح الفتاة نفسها الشيء الذي يخشاه متحرشوها.

متاهة مريم

تنقل رواية منصورة عز الدين فكرة الوحش الأنثوي إلى منطقة نفسية وسريالية أبعد. تتحرك شابة في القاهرة داخل عالم مشوّش تصعب فيه الفصل بين الأشباح والنسخ المكررة والهويات المتشظية والذكريات المحرّفة وبين الحياة اليومية. المدينة نفسها تبدو مسكونة، لكن ما يسكن مريم ليس الغيب وحده، بل أيضًا العالم الذي ورثته والبنى التي شكّلت فهمها لنفسها.

تكسب السمة القوطية للرواية أهمية خاصة لأنها تمنح شكلًا لتجارب يصعب التعبير عنها مباشرة؛ فإحساس مريم المتصدع بالواقع يمكن قراءته تجسيدًا لضغوط نفسية واجتماعية يُنتظر من النساء استيعابها. ويرتبط ضياعها وعزلتها وتشظي هويتها بشعور أعمق بالقلق: ما الذي يحدث للذات حين يظل العالم يحددها ويقيدها ويراقبها؟ الرعب ليس في أن مريم تائهة فحسب، بل في أن العالم صار مكانًا يبدو التيه فيه شبه حتمي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

elshayea منصة مصرية تهتم بكل ما يخص أسلوب الحياة اليومي، من أخبار النجوم والترندات الخفيفة إلى الموضة والجمال، العلاقات، الصحة، السفر، والأكل. نكتب محتوى بسيطًا وقريبًا من القارئ، مع اختيار موضوعات تهم الجمهور المصري والعربي بطريقة عصرية وواضحة.

البريد الإلكتروني [email protected]

للتواصل والإعلانات: +5-784-8894-678

©2026 elshayea.com — كل الحقوق محفوظة. محتوى عصري عن الحياة، الجمال، الصحة، السفر والترندات في مصر والعالم العربي.