في مهرجان الجونة السينمائي، وضعت ورشة «أرشفة اليومي» الأرشيف في مكان آخر غير الخزائن والمؤسسات: في البيوت والهواتف وحياة الناس. قدّمتها زينة دويدار، الشريكة المؤسسة في «حكاياتنا»، ضمن موضوع المهرجان «أرشفة السرديات»، وسألت من خلالها: ما السجلات التي نصنعها عن أنفسنا من دون أن ننتبه، وما الذي نسمح له بالضياع؟
قد يذهب الذهن عند سماع «الأرشفة» إلى المباني الجامعية ورفوف مزدحمة بالكتب وأوراق يتعامل معها الناس بقفازات. لكن الورشة ذكّرت بأن السجلات تتراكم أيضًا في البيت والهاتف: تذكرة سينما، أو صفحة في تطبيق الملاحظات، أو وصفة الجدة للفتة التي تشتهر بها العائلة.
ولم يكن إناء الفخار القديم، قبل أن يُدرج في قائمة معروضات، سوى وعاء ماء ضمن يوم شخص عادي، مألوفًا كالإبريق الذي بجوار السرير. وقد لا يخطر لصاحبه أن مقتنى بسيطًا سيصبح يومًا شاهدًا على طريقة عيشه.
لكل منا تاريخه
ترى دويدار أن الأرشيف ليس حكرًا على المتخصصين؛ فكل شخص قادر على حفظ تاريخه، شرط أن ينتبه إلى ما قد يمر بلا تدوين: ذكريات قريب أكبر سنًا، تغيّر ملامح شارع، أو وصفات تنتقل بين الأجيال.
«الأمر يتعلق أيضًا بالتفكير في نسيج من نحن»، شرحت، «الحكايات التي لن تُروى لولا ذلك عن أنفسنا وعن من حولنا وعن مجتمعاتنا».
نادرًا ما تصرخ هذه التفاصيل بأهميتها. نعيش معها ونظن أن الذاكرة ستحتفظ بشكل الغرفة، أو بالأغاني في طريق المدرسة، أو بنبرة صوت أحدهم على الهاتف، لأن الألفة تمنحها طابع الدوام.
لكن إجابات المشاركين عندما سُئلوا عن أشياء يومية من طفولتهم اختفت بالفعل جاءت لتنقض هذا الافتراض. تحدث أحدهم عن بطاقة ذاكرة معطوبة تضم نحو عشر سنوات من الصور. واستعاد آخر أشرطة الكاسيت التي كانت تصاحب رحلات المدرسة، قبل أن يتحدث عن فقدان رسائل مسجلة لجده.
ولدويدار مثالها: أشرطة فيديو منزلية شاهدتها هي وشقيقتها مرارًا في الطفولة. وعندما ظهر أحدها لاحقًا، لم يكن لديهما جهاز لتشغيله. نجا الشيء، لكن الوصول إليه لم ينجُ.
أبعد من تذكرة سينما
ليس كافيًا أن نحتفظ بالشيء؛ نحتاج إلى ما يكفي من حكايته ليتمكن غيره من فهمه. وهنا تقول دويدار: «السجل لا يقل أهمية عن المحتوى».
على تذكرة السينما نقرأ اسم الفيلم والمكان والزمن، لكنها تصمت عن الجالس إلى جانبنا، وعن الحديث بعد العرض، وعن احتمال أننا خرجنا ونحن نرى العمل بشكل مختلف.
وفي مهرجان يتساءل عن معنى أرشفة السرديات، بدا هذا وثيق الصلة. الفيلم يحتفظ بالإيماءة والصوت والملابس والمكان، لكن ما يحيط به من تجربة يضيف طبقة أخرى: طريقة المشاهدة، وما قيل بعدها، وكيف دخل العمل إلى حياة صاحبه.
ولسؤال من يتحكم في هذه السجلات ثقله. لاحظت دويدار: «من يملك الأرشيف يملك الحكايات التي نرويها عن أنفسنا وعن تواريخنا». وربطت حديثها عن صناعة الأفلام الفلسطينية بين الحفظ وقوة تمثيل الذات، وبين قدرة الأجيال المقبلة على الوصول إلى تلك الصور.
وحين تُسجل ذكريات فرد من العائلة، فإن احترام صاحب الحكاية يبقى شرطًا أساسيًا. شجعت دويدار على الأسئلة المفتوحة والصبر والاستعداد لترك الصمت موجودًا. وقالت: «امنحوهم الفرصة ليقولوا ما يريدون قوله حين يريدون قوله».
ما يعجز الأرشيف عن حفظه
بقيت ملاحظة من الجمهور عالقة: كيف نحقق الرائحة؟ كيف نحفظ رائحة منزل بعينه، أو الألفة الدقيقة لطعام أحدهم؟
قد تكشف الصورة تفاصيل المطبخ، وقد تدلنا الوصفة على ما جرى داخله، لكن التجربة تبقى أكبر منهما.
قائمة مكونات وصفة الجدة للفتة ليست سوى البداية؛ يمكن أن يضاف إليها كيف كانت تقدمها، ومن كان يجتمع حول المائدة، وما كانت تصر دائمًا على أن الجميع أخطأ في فهمه. هذه التفاصيل تمنح الشخص التالي ما يعود إليه.
من أين يبدأ الحفظ؟
أول ما اقترحته دويدار هو البدء بنطاق ضيق وهدف محدد: اختيار مادة واحدة، كوصفات العائلة أو الشارع أو تذاكر السينما، ثم تحديد نتيجة واضحة يمكن بلوغها.
وشجعت على حفظ المواد ورقمنتها أولًا بأول، بدل تركها إلى وقت لاحق، حتى يصبح الحفظ جزءًا من العمل نفسه.
ودعت إلى تسجيل السياق: الأسماء والتواريخ والأماكن وما لا يستطيع الشيء قوله عن نفسه، من قبيل الحاضرين وسبب أهمية اللحظة.
وفي التاريخ الشفهي، أوصت بأسئلة مفتوحة ومنح الناس وقتهم، وتركهم يختارون الحكايات التي يريدون روايتها، مع إفساح مجال للصمت.
كما شددت على الاحتفاظ بأكثر من نسخة، على وسائط تخزين وأماكن مختلفة، بينها نسخة غير متصلة بالإنترنت.
أما الموافقة والرعاية فلهما أولوية قبل التسجيل: طلب الإذن، واحترام الحدود، والاطمئنان إلى الشخص إذا ظهرت ذكريات صعبة.
وأوصت أيضًا بألا يبقى الأرشيف حبيسًا عند صاحبه؛ فمشاركته مع من قد يعتزون به، عبر دردشة عائلية أو مجموعة وصفات أو جلسة استماع مشتركة، تمنحه جمهورًا.


