في معظم الوجهات السياحية يبذل السكان المحليون جهداً كبيراً كي يشعر الزائر بأنه في بيته، لأنهم يريدون أن تترك الزيارة انطباعاً طيباً يعيد الضيوف مرة أخرى. لكن هذا الكرم لا يعني أن كل تصرف مقبول، فبعض السلوكيات تحوّل المدن الحيّة إلى ما يشبه مدينة ملاهٍ: أماكن العبادة تفقد حرمتها، والمعالم الثقافية تصبح مجرد خلفيات لصور شخصية تعطّل المارة، واللغة المحلية تُغرق تحت افتراض أن الجميع يتحدث الإنجليزية.
وما يغيب عن كثير من المسافرين أن بعض هذه الأخطاء لا يتوقف عند حد الانزعاج، بل قد يتحول إلى غرامة باهظة أو ملاحقة قانونية، وأن تجنّبها في الغالب لا يحتاج أكثر من معرفة مسبقة بما يضايق أهل المكان.
عدم تعلّم أي كلمة من لغة البلد
عبارة «الجميع يتحدث الإنجليزية» هي العذر الجاهز للامتناع عن تعلّم لغة الوجهة، مع أن الإنجليزية ليست منتشرة في كل مكان، خصوصاً خارج المدن السياحية الكبرى. لا أحد يطلب من زائر يقضي أسبوعاً أن يتقن لغة جديدة، لكن التحيات البسيطة مثل «من فضلك» و«شكراً» و«صباح الخير» تُحدث فرقاً، لأنها تعني أن المسافر بذل جهداً بسيطاً قبل أن يستقل الطائرة.
هذه الكلمات تمنح صاحبها معاملة أفضل لدى العاملين في القطاع السياحي، فهي إشارة إلى استعداد الزائر للتعامل معهم بلغتهم قدر استطاعته، وهو احترام يُردّ عادة بخدمة وحسن ضيافة. والاقتصار على الإنجليزية يحصر السائح في الأماكن الأكثر ازدحاماً ويمنعه من رؤية بقية البلاد، إذ يصبح تعلّم بعض اللغة ضرورة للتواصل في المناطق الريفية، سواء كانت الكلمات إيطالية أو إسبانية في أمريكا اللاتينية أو عربية وعبرية في الشرق الأوسط.
لا احترام في دور العبادة
من أكثر ما يسيء إلى أهل البلد أن يُعامل بيت العبادة كأنه متحف لا مكان مقدّس. تبدأ المشكلة غالباً من اللباس: كثير من كنائس أوروبا، وخصوصاً في إيطاليا والفاتيكان، يفرض قواعد تمنع كشف الكتفين أو الركبتين وتُحظر القمصان القصيرة والقمصان التي تكشف البطن والتنانير القصيرة وما شابهها. وفي العالم الإسلامي تكون القواعد في المساجد أشد، إذ يُشترط غطاء للرأس للنساء وعدم كشف الجلد سوى اليدين والوجه.
المواقع الكبرى مثل الفاتيكان وكنيسة سانتا ماريا ماجيوري في روما لديها أمن يمنع الداخلين غير الملتزمين، أما الكنائس والمساجد المحلية الأصغر فلا تستطيع فرض القواعد بالكامل، فتتحول المسألة إلى نظام ثقة يُفترض أن يحترمه الزائر، وعندما لا يحدث ذلك يكون الرسائل واضحاً بأن قواعد المضيفين وعاداتهم في أقدس أماكنهم لا تهمّه.
المشكلة الثانية تتعلق بالازدحام وسوء استخدام الفضاء الديني. لا يمانع السكان عادة في حضور الزوار والتفرج أو الجلوس في قداس بأحد كاتدرائيات أوروبا، لكن ليس على حساب المصلّين. في برشلونة، على سبيل المثال، وردت تقارير عن تدفّق سياح إلى كنائس مثل ساغرادا فاميليا وتصويرهم للقداديس رغم منع ذلك، بما يخلّ بالسكينة المفترضة للمكان.
توقّع أن يكون كل شيء كما في الوطن
من السهل أن يعتاد المرء على طريقة بلده ثم يتوقع أن يجدها في الخارج، لكن المسافر مطالب بالتأقلم مع قوانين وعادات وتقاليد مختلفة، كثير منها متجذّر في معتقدات دينية وثقافية عميقة. هذه المعتقدات تحكم تفاصيل صغيرة مثل عصي السيلفي والحديث بصوت مرتفع في الأماكن العامة، ومسائل أكبر مثل حرية التعبير والحرية الدينية والمساواة بين الجنسين وقواعد اللباس والقانون الجنائي، وهي أمور قد تمسّ السائح مباشرة.
بالنسبة للقادمين من العالم الغربي العلماني، قد يكون هذا الصدام الثقافي صعباً: ألا تقول ما تريد، ولا تذهب حيث تشاء، ولا تلبس ما تريد، ولا تعبد كما اعتدت. لكن الحل الأفضل هو احترام العادات المحلية ومحاولة فهم دوافعها، فالاحترام طريق ذو اتجاهين، ومن يحترم أهل البلد يجدهم غالباً مستعدين لمساعدته في فهم القواعد الغريبة عنه وتجنّب الأخطاء.
تجاوز قوانين الآداب العامة
تظهر هذه المشكلة في كل مكان فيه شواطئ وأعداد كبيرة من الأجانب، إذ يكفي أن تجتمع الرمال والبحر والكحول ليتكرر السلوك غير اللائق، من لباس لا يراعي قواعد المكان إلى مشاهد حميمية على الشاطئ. السكان يتحمّلون ذلك غالباً بسبب عائدات السياحة، لكن القوانين المكتوبة، خصوصاً في أوروبا، تنصّ على أن هذا السلوك غير مرحّب به.
والغرامات في هذا الباب ليست رمزية: بلدة ألبوفيرا البرتغالية تفرض على من يسير بلا قميص خارج الشاطئ غرامات تصل إلى 1500 يورو، وفي ملقة الإسبانية يبلغ الحد الأقصى 750 يورو، أما مدينة سورينتو الإيطالية فقد تكلّف من يرتدي البكيني أو ثوب السباحة خارج الشاطئ ما يصل إلى 500 يورو. وفي الدول الأكثر محافظة دينياً، قد تصل العقوبة إلى السجن، كما هو الحال في دبي التي تنصّ على السجن أو الترحيل أو الغرامة للأزواج الذين يتبادلون مظاهر العاطفة في الأماكن العامة، بما في ذلك التقبيل.
الاستهانة بالثقافة والتراث
إذا أراد سائح أن يستفزّ أهل البلد فعلاً، فالحيل الطائشة بحثاً عن تفاعل على شبكات التواصل كفيلة بذلك. الصور السخيفة أمام المواقع التاريخية شائعة ومعظمها غير مؤذٍ، لكن حين تتجاوز حدود اللياقة واحترام الدين يتغيّر ردّ الفعل.
في فلورنسا عام 2024 صعدت سائحة شابة إلى تمثال باخوس قرب جسر بونتي فيكيو وبدأت ترقص فوقه بحركات مثيرة، ولم تكن سلطات المدينة راضية عن ذلك، لكن المرأة حالفتها الحظ ألا تُعرَف، وإلا لكانت عرضة لغرامة بسبب السلوك الفاحش ومنع دائم من دخول المدينة. ومن يُقبض عليه في مثل هذه الأفعال قد يواجه غرامات وسجناً، كما حدث لمراهق كندي كتب اسمه على جدار معبد ياباني وبات مهدداً بالسجن خمس سنوات وغرامة 2000 دولار. وفي بالي، نالت امرأة ألمانية عقوبة أخفّ بعدما اقتحمت عرضاً في معبد هندوسي وهي عارية، إذ أُخضعت للعلاج النفسي.
التدخل في السياسة المحلية
الأحداث الدولية الكبرى تولّد آراء قوية، لكن الأفضل للزائر أن يحتفظ بها لنفسه. لا أحد يحب أن يلقّنه أجنبي دروساً في إدارة بلده، وسواء تعلّق النقاش بالأحزاب أو السياسيين أو الاستفتاءات أو الحروب، فإن الزائر قصير الإقامة، الذي لا تربطه صلات عائلية بالمكان، يُنصح بتجنّب هذه الموضوعات كلها.
في معظم الحالات يؤدي الخوض في هذه المسائل من دون معرفة داخلية إلى إحراج أو نقاش حاد لا أكثر، لكن في أماكن تحوّلت فيها السياسة، خصوصاً عندما اختلطت بالانقسامات العرقية والدينية، إلى حرب أو صراع، قد لا يكون الردّ لطيفاً. من حق السائح أن يكوّن رأياً، لكن أهل البلد سمعوا الآراء المتسرعة كثيراً على الأرجح، فإن فتحوا الباب للنقاش يمكنه حينها أن يسأل.
معاملة العاملين في الخدمات كأنهم خدم
يُقال إن أخلاق المرء تُقاس بمعاملته لمن يعتبرهم أدنى منه، وخصوصاً العاملين في الخدمات مثل عاملات النظافة في الفنادق وعاملي ركن السيارات والنُدُل. سوء المعاملة شائع للأسف، ويظهر أكثر عندما لا يجد السائح مستوى الخدمة الذي اعتاده في بلده، ويُقرأ ذلك كإساءة إلى البلد المضيف وإلى أهله، وقد يلحق ضرراً بسمعة بلد الزائر نفسه.
والترياق لهذا الشعور بالاستحقاق هو اللباقة: تعلّم العبارات الأساسية في لغة البلد، مثل «من فضلك» و«شكراً» والتحيات اللازمة، ليكون بمقدورك مخاطبة العاملين بأدب. هؤلاء العاملون هم خط الدفاع الأول في السياحة ويتحملون نوبات غضب الزوار لأن السياحة مصدر رزقهم، لذا فإن الزائر المهذّب يمثل نسمة هواء نقي قد تدفع الموظفين إلى بذل جهد إضافي لجعل إقامته مميزة.
ازدحام السيلفي والمشاجرات
تخيّل ساكناً في روما يحتاج إلى الذهاب إلى عمله أو كنيسته أو الاستمتاع بجمال مدينته، فيجد الطريق مسدوداً بحشود تتصارع على صورة شخصية أمام نافورة تريفي أو ساحة القديس بطرس، أو أمام تايمز سكوير في نيويورك أو البلدة القديمة في دوبروفنيك أو ساحة سان ماركو في البندقية. الأمر مزعج، ويتحول إلى إحراج حين تندلع مشاجرات بين السياح على المكان.
كثيراً ما يكون الحل الأفضل التخلي عن السيلفي، فإن كانت الصورة أمام تريفي أو الكولوسيوم ضرورية فاطلب من أحد السكان أن يلتقطها لك، فكثير منهم يعتمدون على السياحة ويكونون سعداء بالمساعدة، خصوصاً إذا طلبت ذلك بلغتهم. أما في دور العبادة من كنائس ومساجد وكنس يهودية فالأفضل الامتناع عن تصوير النفس تماماً والانتباه إلى المكان بدلاً من عدّ الإعجابات. ومن لا يردعه غضب السكان قد تردعه غرامات تبلغ 300 دولار أو أكثر في أماكن عدة، وُضعت لمنع تكدّس الحشود أو لأسباب تتعلق بالسلامة، مثل حماية الزوار من الدببة في بحيرة تاهو.
السياحة المفرطة
هذه المشكلة لا تُنسب إلى تصرف فرد بعينه، لكن وجود أعداد ضخمة من السياح هو على الأرجح المصدر الأول لشكاوى السكان. السياحة المفرطة ترفع الأسعار على أهل المدن التاريخية التي بناها أجدادهم وتحوّلها إلى متنزهات لخدمة أجانب يراهم السكان غير مقدّرين لما يملكونه.
في دوبروفنيك الكرواتية، يبلغ عدد السكان 41 ألفاً، في مقابل 27 سائحاً لكل نسمة، وفي البلدة القديمة التي كانت تضم 5000 نسمة لم يبقَ سوى نحو 1500. كثير من الأهالي يعيشون خارج البلدة القديمة، وانتقل جزء كبير من الحياة الثقافية والفنية إلى ضاحية غروش. وبرشلونة قريبة من هذا الوضع، فمدينتها التي يقلّ سكانها عن مليوني نسمة استقبلت 32 مليون سائح في 2024، وهو رقم غير مستدام، مع إيجارات قصيرة الأمد ومشاريع سياحية ترفع كلفة السكن وتغلق محالّ الحي مثل الصيدليات ومتاجر البقالة.
ويستطيع السائح، إضافة إلى حسن السلوك، أن يتجنب هذا الضغط باختيار أماكن أقل شهرة بعيداً عن المصائد السياحية في دوبروفنيك وبرشلونة وروما وباريس ونيويورك، فالعالم مليء بها. فبدل دوبروفنيك يمكن اختيار كوتور الهادئة في الجبل الأسود، وبدل برشلونة تُطرح خيارات مثل أوفييدو وبلباو وسلامنكا، حيث حشود أقل وأعمال موجّهة للسياح أقل، وحيث يمكن تذوّق الحياة كما هي في البلد المضيف.
عدم دفع البقشيش في أمريكا
هذه المسألة تكاد تكون حصرية على الولايات المتحدة، وهي مما يفاجئ الأجانب في مطاعمها. البقشيش منتشر في العالم، لكنه في معظم الدول تطوعي، إذ لا يتجاوز 15% في أوروبا ويقارب 10% في أمريكا اللاتينية، ويُعدّ وقاحة في اليابان.
لذلك قد يُصاب الزائر بالحيرة عندما يجلس في مطعم أمريكي ويكتشف أن 15% هي الحد الأدنى، وأن البقشيش شبه إلزامي، وأن تركه يُعدّ خرقاً للعُرف الاجتماعي ويترك النادل يتساءل عن تقصيره. وراء ذلك منطق خاص: النُدُل في أمريكا يصنّفون ضمن «العاملين الذين يتلقون بقشيشاً»، وهم معفون من قوانين الحد الأدنى للأجور، ويعتمدون على البقشيش للعيش.
لذا، حتى لو بدا النظام غريباً، فالأفضل أن تترك بقشيشاً، إذ يُعتبر 20% هو المعتاد عند الخدمة الجيدة جداً أو الممتازة، مع حرية الزيادة. والنقد يفضَّل دائماً على البقشيش بالبطاقة، فالنُدُل يحصّلون غالباً أكثر من 100 دولار يومياً، وأصحاب البار أكثر من ذلك، والنقد لا يُتتبَّع ضريبياً، ما يجعل العاملين أكثر ترحيباً بك في زيارتك التالية.


