مع قصر ساعات النهار وتبدّل الطقس، يجد كثيرون أنفسهم يفقدون الدافع للخروج من السرير، وتتراجع طاقتهم الاجتماعية إلى الحد الأدنى، ويصبح إلغاء المواعيد والانزواء في المنزل هو الخيار الأسهل. هذا التراجع ليس مجرد كسل موسمي عابر، بل قد يكون تعبيرًا عن حالة يعرفها المختصون باسم الاضطراب العاطفي الموسمي.
الاضطراب العاطفي الموسمي، المعروف اختصارًا بـ«SAD»، نوع من الاكتئاب يرتبط بتغيّر الفصول، وغالبًا ما يبدأ في الخريف ويستمر طوال الشتاء. وترتبط قلة ساعات الضوء بتأثر أنماط النوم ومستويات الطاقة والمزاج، ما يجعل المهام اليومية أثقل من المعتاد. ولا يعني ذلك أن كل انخفاض في المزاج مع تغيّر الفصول هو اضطراب موسمي، لكن هذه التقلبات تستحق الانتباه على أي حال.
لا يمكن إيقاف تعاقب الفصول، لكن يمكن التخفيف من وطأة هذه المرحلة عبر عادات صغيرة تُبنى قبل أن تزداد الأيام قتامة وتتبدد الدافعية.
الاستفادة من ضوء النهار والحركة
الخروج نهارًا هو أول ما يستحق الأولوية مع تغيّر الفصول. فقصر النهار يربك الساعة الداخلية للجسم، وهي عنصر أساسي في تنظيم النوم والمزاج، لذا فإن قضاء وقت في الهواء الطلق خلال ساعات الضوء، حتى لو كانت الشمس خافتة، خطوة بسيطة لدعم الحالة النفسية. يمكن البدء باحتساء قهوة الصباح في الخارج، أو المشي وقت الغداء، أو الخروج من المكتب لدقائق، مع تفضيل إنجاز المهام في وقت أبكر بدل تأجيلها إلى المساء. ولا يشترط قضاء ساعات طويلة تحت الشمس؛ تعديل صغير في الروتين اليومي يكفي للابتعاد قليلًا عن الشاشات وتنفس هواء نقي.
الحركة بدورها قد تكون آخر ما ترغب فيه عند انخفاض الطاقة، لكنها تدعم المزاج وتقلل التوتر وتحسّن النوم، ولهذا يُستحسن إدخالها في الروتين قبل أن يزداد الخمول. لا حاجة لتدريبات شاقة أو التزام صارم بخمس حصص أسبوعيًا؛ المشي في الحي أو حصة بيلاتس للمبتدئين أو جلسة تمدد في المنزل كلها كافية. المهم اختيار نشاط ممتع لا يبدو كواجب إضافي، وأن يكون الهدف تحريك الجسم دون إنهاكه.
مواعيد صغيرة تمنحك ما تنتظره
من أسهل الطرق لكسر رتابة الأشهر القاتمة أن يكون لدى المرء ما يتطلع إليه، فحين تتشابه الأيام يصنع وجود موعد قادم فرقًا حقيقيًا في طريقة استقبال الأسبوع. لا يشترط الأمر رحلة كبيرة أو أمسية مكلفة: حجز عشاء أو غداء عمل في مطعم ترغب في تجربته، أو رحلة يومية في نهاية الأسبوع، أو ليلة فيلم مع الأصدقاء، أو زيارة معرض مؤجل. حتى موعد قهوة في منتصف الأسبوع يضفي على يوم عادي شيئًا من البهجة. والأفضل توزيع أشياء صغيرة على الشهر بدل الاعتماد على حدث واحد كبير.
ويمكن التعامل مع الروتين اليومي بالحماس نفسه الذي يُمنح لعطلة نهاية الأسبوع. اختيار الفنجان المفضل، وارتداء ملابس تمنح شعورًا جيدًا، والاستماع إلى بودكاست أثناء الاستعداد، أو سلوك طريق أجمل عند العودة، كلها تفاصيل صغيرة. ويُستحسن أيضًا عدم بدء الصباح بأغانٍ حزينة، لأن أثرها في المزاج حقيقي. الهدف ليس ادعاء أن كل يوم مثالي أو فرض إيجابية دائمة، بل التقاط لحظات متعة داخل الروتين المعتاد.
العلاقات والطعام والهوايات
عند انخفاض المزاج يبدو إلغاء المواعيد والبقاء وحيدًا مغريًا، والراحة في المنزل ليست مشكلة بحد ذاتها، لكن الانسحاب من المحيطين قد يزيد الشعور بالعزلة. لذلك يُنصح بالحفاظ على تواصل بسيط: مكالمة قصيرة، أو تبادل رسائل صوتية، أو عشاء منزلي بطلب خارجي، أو مشي قصير مع صديق. ومن المفيد أن يكون الشخص صريحًا مع المقربين بشأن أسبوع صعب يمر به، دون حاجة إلى صياغة مثالية لما يشعر به، وأن يوازن بين الأنشطة الاجتماعية بحسب طاقته.
وعند التعب تتراجع أولوية الطعام سريعًا، فينتهي اليوم بثلاثة أكواب قهوة ومعجنات فقط. الحل هو جعل الوجبات المنتظمة المتوازنة جزءًا من الروتين، والاحتفاظ بمكونات محببة وسهلة، وتحضير بعض الوجبات مسبقًا، وإبقاء وجبات خفيفة في المتناول. لا يوجد طعام واحد يمنع الاكتئاب الموسمي، ولا حاجة لنظام غذائي مقيّد، بل للانتظام والترطيب وتغذية كافية. وإذا أصبح تغيّر الشهية مستمرًا وأثّر في الصحة، فمن الأفضل استشارة مختص.
أما البحث عن هواية جديدة فيساعد على الخروج من التفكير الدائري: تعلّم خبز العجين المخمر، أو الالتحاق بصف فخار، أو تأسيس نادي كتاب مع الأصدقاء، أو تجربة التصوير وتعلم لغة، أو زيارة مكان جديد كل نهاية أسبوع. ولا حاجة إلى إتقان ما تفعله؛ فممارسة نشاط لمجرد الاستمتاع به، بعيدًا عن فكرة تحويله إلى مصدر دخل، تجربة مريحة بحد ذاتها.
الراحة والشاشات وطلب المساعدة
هناك ضغط دائم لاستغلال كل دقيقة والبقاء منتجًا، لكن الراحة ليست مكافأة تُستحق بإنجاز قائمة المهام كاملة، بل جزء ضروري من العناية بالذات. عند الشعور بالإنهاك يمكن تأجيل المهام غير العاجلة، أو أخذ استراحة غداء حقيقية، أو تمضية مساء كامل دون فعل شيء محدد. ومن المفيد وضع توقعات واقعية والاكتفاء بأولويتين أو ثلاث. لكن هناك فرق بين السماح بالراحة والعجز المستمر عن أداء المهام المهمة؛ فإذا بدأ المزاج المنخفض أو فقدان الاهتمام يعطّل الحياة اليومية، فلا ينبغي اعتباره كسلًا يجب تجاوزه.
وعند الملل أو الحزن يبدو التمرير على الهاتف أسهل وسيلة لتمضية الوقت، قبل أن يكتشف المرء أنه أمضى ساعتين في مقارنة حياته بحياة الآخرين. لا تُصنَّف منصات التواصل بأنها سيئة بطبيعتها، لكن من المفيد مراقبة أثرها في الشعور؛ فالحسابات التي تزيد الإحساس بالنقص أو الانفصال عن الحياة الواقعية يمكن كتمها أو الابتعاد عنها مؤقتًا. ويمكن استبدال جزء من وقت التمرير بالقراءة أو المشي أو الموسيقى أو مكالمة صديق، وتحديد أوقات للتحقق من الهاتف بدل التقاطه في كل لحظة فراغ. وإن انتهى المساء كله في التمرير، فلا داعي للقسوة على النفس؛ الهدف ليس انقطاعًا رقميًا مثاليًا.
وتظل التغييرات في نمط الحياة داعمة، لكن الاضطراب العاطفي الموسمي أكبر من شعور عابر بالكآبة عند تغيّر الطقس؛ فهو شكل من الاكتئاب قد يؤثر في المزاج والطاقة والنوم والشهية والتركيز والاهتمام بالأنشطة المعتادة. وإذا لاحظ الشخص أن الأعراض تستمر، أو تتكرر في التوقيت نفسه كل عام، أو تبدأ في التأثير في علاقاته وعمله ومسؤولياته اليومية، فمن المناسب التحدث إلى مختص صحي، دون انتظار أن تصبح الأمور غير محتملة. ولا يحتاج المرء إلى تشخيص ذاتي ليستحق الدعم؛ فالشعور بأن شيئًا غير طبيعي سبب كافٍ للحديث مع الأصدقاء والعائلة والزملاء.
في النهاية، لا يمكن منع الفصول من التغيّر، لكن يمكن جعل الانتقال ألطف على النفس عبر الخروج نهارًا وتحريك الجسم وقضاء وقت مع الأحبة وصناعة أشياء صغيرة تنتظرها. والأهم ألا يضغط المرء على نفسه ليكون مبتهجًا دائمًا؛ فبعض الأيام أفضل من غيرها، والعناية بالذات لا تعني إلغاء كل شعور صعب، بل بناء روتين يسند صاحبه في الأيام الجيدة ويقدم له ما يستند إليه في الأيام الصعبة. وإذا تحولت الكآبة الموسمية إلى ما هو أكبر، فإن الدعم المتخصص متاح دون انتظار أيام أكثر إشراقًا.


