في أقصى الجنوب الشرقي لمصر، وعلى مقربة من الحدود مع السودان، تقع جبال علبة التي تحتضن المنطقة الوحيدة في البلاد ذات الغطاء الحرجي الطبيعي. ويعود سرّ هذا الأخضر إلى حالة مناخية لا تتكرر في أي مكان آخر على أرض مصر: هواء بارد ورطب يندفع من البحر الأحمر نحو الداخل ويتكثف على السفوح ضباباً، وهو ما يغذي النبات أكثر مما يفعله المطر.
ويصف العلماء هذه الظاهرة بأنها «واحة ضباب»، إذ تعيش النباتات هناك على الرطوبة المحمولة في الهواء وحدها، وتنمو حيث كان العيش مستحيلاً لولا هذا التكاثف. والحصيلة جيب أخضر رطب يستقر فوق سهول جافة.
كثافة بيولوجية نادرة
بهذه الخصوصية الجغرافية صارت جبال علبة من أكثر المناطق كثافة بيولوجية في مصر. فهي لا تشغل سوى جزء صغير من مساحة البلاد، لكنها تضم نحو ربع أنواع النباتات المسجلة فيها. وتلتصق أشجار السنط والشجيرات الكثيفة والأنواع المستوطنة بالمرتفعات، لتشكل النظام الحرجي الطبيعي الوحيد في البلاد.
وتكشف الجبال أيضاً عن موقع بيوجغرافي فريد، تبلغ فيه أنواع أفريقية استوائية كثيرة، نباتية وحيوانية، أقصى حدودها الشمالية. وتتعايش طيور ترتبط عادة بأفريقيا جنوب الصحراء مع أنواع متكيفة مع الصحراء، في التقاء بيئي لافت.
محمية تمتد على 35,600 كيلومتر مربع
تمتد محمية علبة على نحو 35,600 كيلومتر مربع، وتجمع داخل حدود واحدة منظومات بيئية متعددة. فتنحدر الجبال الداخلية نحو سهول صحراوية تصل إلى أشجار المانغروف والحشائش البحرية والشعاب المرجانية على ساحل البحر الأحمر. ومن النادر أن تجد في مصر تدرجاً بيئياً بهذا الاكتمال، يمتد من الموائل البحرية إلى المرتفعات التي يغذيها الضباب.
الوصول من البلدات الساحلية
الوصول إلى المنطقة محدود بطبيعتها، فقربها من الحدود السودانية يجعل التنقل الفردي إلى قلب المحمية نادراً. ويميل معظم الزوار إلى الانطلاق من البلدات الساحلية القريبة، مستعينين بمرشدين محليين في جولات إلى الجبال والأودية ومسارات الصحراء.
وتبدأ الرحلة عادة على الطريق الساحلي للبحر الأحمر، على مسافة خمس إلى ست ساعات جنوب مرسى علم، حيث يترقق العمران وتقل البلدات. وتعدّ شلاتين وحلايب أقرب قواعد انطلاق عملية، وتوفر فنادق متواضعة ونزلاً ومؤناً. ومن هناك تنطلق الجولات المرشدة، ويفضل أن تكون بسيارات دفع رباعي، بين الجبال والأودية والمساحات الصحراوية.
وتستقطب المشي ومراقبة الطيور والتخييم أكثر المسافرين مغامرة، خصوصاً بين أكتوبر وأبريل حين تصبح درجات الحرارة ملائمة للتنقل في الهواء الطلق.
وحتى البقاء على الأطراف يمنح لمحة نادرة إلى هوامش مصر البيئية: ضباب يتجمع على القمم البعيدة، وجيوب نبات غير متوقعة في الأودية الجافة، وطيور مهاجرة تتبع مسارات قديمة بين أفريقيا وأوراسيا. أما الليالي في المخيمات أو في البلدات الساحلية الصغيرة فتبدو منفصلة بهدوء عن بقية البلاد.
وتقف جبال علبة على الحد الفاصل بين الصحراء والغابة، وبين أفريقيا والعالم العربي. والرحلة إليها أقرب إلى الاقتراب من مكان بتبجيل وفهم لأهميته من محاولة إخضاعه، حتى وهو يعصي الدخول الكامل إليه.


